الأحد، 18 أغسطس 2013

بشارة الرمال...

     مَا
     الحبُ..؟
  الشوقُ..؟
    سفر القصيدة..؟

  رجلُ وإمرأة
  يعبران القصيدة
  على رمال الحبِ
  تثقلهما القبلُ
  فينبتُ العشبُ


 ونبتة ترتطم بالدمع إنكساراً
  وبالشوق إحتضاراً
 وبلهفةٍ سأرقصُ
  لجدبِ السماءِ

  حَكايا صمتُك
  والعمر صحراء
  هناك حيث الحب
  وبعض الخوف
  والأحلامُ تفترشُ الرمل

   أتندبُ الشمسَ
  حين تغيب دون وداعِ
  قبل انكساري بين يديك حباً
  كيْ أغطّي رملَ أغنيَتي بموجِك
هنا حيث أنت ورمال الشوق


  وعلى رؤوسِ أصابعِ الحبِ 
   سنوصِدُ الشفاه
   بقبلةٍ معتقة
   أ سمعُ وشوشةَ فمه


  أُحبُ الطيران بك
   أن أرتطم بالفضاء
  سـ يَتَسَاقَطَ الْغَيْمُ
  كَسَفاً مِنْ عناقِ

  عطشى كرملٍ
  يُناجي الموجَ
    عن رحلةٍ
   تُعيد لي
 طعم الماءِ !!



 

الجمعة، 28 يونيو 2013

ناجي..شاعر النيل والأطلال..

یافؤادي رحم الله الهوی
کان صرحاً من خیالٍ فهوی
اسقني واشرب علی أطلاله
واروِ عني طالما الدمع روی
کیف ذاك الحب أمسی خبراً
وحدیثاً من أحادیث الجوی
یقول ناجي عن شعره " هو النافذة التي أطل منها علی الحیاة وأشرف منها علی الأبد وما وراء الأبد . هو الهواء الذي أتنفسه والبلسم الذي داویتُ به جراح نفسي عند عزّ الإساءة هذا هو شعري. بدأ حياته الشعرية حوالي عام 1926 عندما بدأ يترجم بعض أشعار الفريد دي موسيه وتوماس مور شعراً وينشرها في السياسة الأسبوعية، وانضم إلى مدرسة أبولو عام 1932م التي أفرزت نخبة من الشعراء المصريين والعرب استطاعوا تحرير القصيدة العربية الحديثة من الأغلال الكلاسيكية والخيالات والإيقاعات المتوارثة. وقد نهل من الثقافة العربية القديمة فدرس العروض والقوافي وقرأ دواوين المتنبي وابن الرومي وأبي نواس وغيرهم من فحول الشعر العربي، كما نهل من الثقافة الغربية فقرأ قصائد شيلي وبيرون وآخرين من رومانسيي الشعر الغربي. قصته مع الأطلال كانت تجسيدًا لمعاناته وآلامه بالحب. فقد كانت أول تجربة تعمق نظرته البائسة للحياة هي محبته أيام دراسته الثانوية لفتاة كانت زميلته وتعلقه بها فكتب أشهر قصائده عنها فكانت خير تخليد للحب. وتقع القصيدة في أكثر من مائة وثلاثين بيتا في شكل مقاطع كل مقطع يتألف من أربع أبيات أكثر المقاطع منظومة على الرمل. وقد غنّت أم كلثوم مقاطع منها مع التعديل في بعض الألفاظ وضم مقطع من قصيدة أخرى عنوانها الوداع. تميز الشاعر بالنزعة الروحية الأشبه بالصوفية وتبرز في كثير من التعبيرات التي استخدمها مثل " جعلت النسيم زادا لروحي" و "أسكر نفسي".
ناجي کتب عن أعمق التجارب الشعرية مع اتجاهه بالبساطة حیث لا یعرف الزیف في شعره، ویسعی لأن یستمد من إحساسه من الجمال والحیاة ونری تعابیره الخاصة.
جدد ناجي في شکل القصیدة ومضمونها کما نری تجدیده في الموسیقی، في الخیال، في اللفظ وفي الأفکار و الأسالیب. شعر ناجي فيه الأصالة وعمق التجربة ودعوة واضحة للحریة وللوحدة العضویة في القصیدة، وتبدأ القصیدة بانفعال نفسي یستمر هذا الانفعال مع عاطفته حتى نهایة مضمون القصیدة ویجذب القارئ مع عذوبته.
إذا ننظر إلی أشعار ناجي نجد تصاویر الحزن والیأس فيها وکلّها إشاعة الروح الرومانتیكیة الحدیثة وتتمثل فيها شخصیة الشاعر ملیئة بالشکوی والأنّات ودیوانه وراء الغمام خیر شاهدٍ علی هذه السمة في شعره کما یقول الدکتور شوقي ضیف " فقد کان یدمن قرأءة الآثار الغربیة فتعلّق بهذا الاتجاه وظلّ ینمیه ومن أجل ذلك تتّضح شخصیته في شعره تمام الوضوح بجمیع ملامحها العاطفية وقسماتها الوجدانیة وهي شخصیة شاعر مجروح یئن دائماً ویشکو إفلات سعادته منه بصورة محزونة".
عاب الكثير من النقاد على ناجي أنّ تركيزه كان منصبا علي الشعر العاطفي الرومانسي وقصائد الهجر. غير أنّ هناك رأيا آخر يرى أنّ الشاعر لم تجمع كل قصائده فإنتاجه الحقيقي أكبر من الدواوين القليلة المجمعة له.
كان ناجي شاعراً يميل للرومانسية، أي الحب والوحدانية، كما اشتهر بشعره الوجداني. وكان وكيلا لمدرسة أبولو الشعرية وترأس من بعدها رابطة الأدباء في الأربعينيات من القرن العشرين. ترجم إبراهيم ناجي بعض الأشعار عن الفرنسية لبودلير تحت عنوان "أزهار الشر" وترجم عن الإنجليزية رواية "الجريمة والعقاب" لـديستوفسكي، وعن الإيطالية رواية "الموت في إجازة" كما نشر دراسة عن شكسبير وكتب الكثير من الكتب الأدبية مثل "مدينة الأحلام" و "عالم الأسرة". وقام بإصدار مجلة حكيم البيت. ومن أشهر قصائده قصيدة الأطلال التي تغنت بها المطربة أم كلثوم.
واجه ناجي نقداً عنيفاً عند صدور ديوانه الأول، من العقاد وطه حسين معاً، ويرجع هذا إلى ارتباطه بجماعة أبولو وقد وصف طه حسين شعره بأنّه شعر صالونات لا يحتمل أن يخرج إلى الخلاء فيأخذه البرد من جوانبه، وقد أزعجه هذا النقد فسافر إلى لندن وهناك دهمته سيارة عابرة فنقل إلى مستشفى سان جورج وقد عاشت هذه المحنة في أعماقه فترة طويلة حتى توفي في 24 من شهر مارس في عام 1953.
رفْرَفَ القلبُ بجنبي كالذبيحْ
وأنا أهتف: يا قلبُ اتّئدْ
فيجيب الدمعُ والماضي الجريحْ
لِمَ عُدنا؟ ليت أنّا لم نعد!
إبراهيم ناجي شاعر النيل أو الأطلال وإن اختلف البعض في شعره سيبقى قصيدة للحب والنيل وبلده.




ناجي..شاعر النيل والأطلال..

یافؤادي رحم الله الهوی
کان صرحاً من خیالٍ فهوی
اسقني واشرب علی أطلاله
واروِ عني طالما الدمع روی
کیف ذاك الحب أمسی خبراً
وحدیثاً من أحادیث الجوی
یقول ناجي عن شعره " هو النافذة التي أطل منها علی الحیاة وأشرف منها علی الأبد وما وراء الأبد . هو الهواء الذي أتنفسه والبلسم الذي داویتُ به جراح نفسي عند عزّ الإساءة هذا هو شعري. بدأ حياته الشعرية حوالي عام 1926 عندما بدأ يترجم بعض أشعار الفريد دي موسيه وتوماس مور شعراً وينشرها في السياسة الأسبوعية، وانضم إلى مدرسة أبولو عام 1932م التي أفرزت نخبة من الشعراء المصريين والعرب استطاعوا تحرير القصيدة العربية الحديثة من الأغلال الكلاسيكية والخيالات والإيقاعات المتوارثة. وقد نهل من الثقافة العربية القديمة فدرس العروض والقوافي وقرأ دواوين المتنبي وابن الرومي وأبي نواس وغيرهم من فحول الشعر العربي، كما نهل من الثقافة الغربية فقرأ قصائد شيلي وبيرون وآخرين من رومانسيي الشعر الغربي. قصته مع الأطلال كانت تجسيدًا لمعاناته وآلامه بالحب. فقد كانت أول تجربة تعمق نظرته البائسة للحياة هي محبته أيام دراسته الثانوية لفتاة كانت زميلته وتعلقه بها فكتب أشهر قصائده عنها فكانت خير تخليد للحب. وتقع القصيدة في أكثر من مائة وثلاثين بيتا في شكل مقاطع كل مقطع يتألف من أربع أبيات أكثر المقاطع منظومة على الرمل. وقد غنّت أم كلثوم مقاطع منها مع التعديل في بعض الألفاظ وضم مقطع من قصيدة أخرى عنوانها الوداع. تميز الشاعر بالنزعة الروحية الأشبه بالصوفية وتبرز في كثير من التعبيرات التي استخدمها مثل " جعلت النسيم زادا لروحي" و "أسكر نفسي".
ناجي کتب عن أعمق التجارب الشعرية مع اتجاهه بالبساطة حیث لا یعرف الزیف في شعره، ویسعی لأن یستمد من إحساسه من الجمال والحیاة ونری تعابیره الخاصة.
جدد ناجي في شکل القصیدة ومضمونها کما نری تجدیده في الموسیقی، في الخیال، في اللفظ وفي الأفکار و الأسالیب. شعر ناجي فيه الأصالة وعمق التجربة ودعوة واضحة للحریة وللوحدة العضویة في القصیدة، وتبدأ القصیدة بانفعال نفسي یستمر هذا الانفعال مع عاطفته حتى نهایة مضمون القصیدة ویجذب القارئ مع عذوبته.
إذا ننظر إلی أشعار ناجي نجد تصاویر الحزن والیأس فيها وکلّها إشاعة الروح الرومانتیكیة الحدیثة وتتمثل فيها شخصیة الشاعر ملیئة بالشکوی والأنّات ودیوانه وراء الغمام خیر شاهدٍ علی هذه السمة في شعره کما یقول الدکتور شوقي ضیف " فقد کان یدمن قرأءة الآثار الغربیة فتعلّق بهذا الاتجاه وظلّ ینمیه ومن أجل ذلك تتّضح شخصیته في شعره تمام الوضوح بجمیع ملامحها العاطفية وقسماتها الوجدانیة وهي شخصیة شاعر مجروح یئن دائماً ویشکو إفلات سعادته منه بصورة محزونة".
عاب الكثير من النقاد على ناجي أنّ تركيزه كان منصبا علي الشعر العاطفي الرومانسي وقصائد الهجر. غير أنّ هناك رأيا آخر يرى أنّ الشاعر لم تجمع كل قصائده فإنتاجه الحقيقي أكبر من الدواوين القليلة المجمعة له.
كان ناجي شاعراً يميل للرومانسية، أي الحب والوحدانية، كما اشتهر بشعره الوجداني. وكان وكيلا لمدرسة أبولو الشعرية وترأس من بعدها رابطة الأدباء في الأربعينيات من القرن العشرين. ترجم إبراهيم ناجي بعض الأشعار عن الفرنسية لبودلير تحت عنوان "أزهار الشر" وترجم عن الإنجليزية رواية "الجريمة والعقاب" لـديستوفسكي، وعن الإيطالية رواية "الموت في إجازة" كما نشر دراسة عن شكسبير وكتب الكثير من الكتب الأدبية مثل "مدينة الأحلام" و "عالم الأسرة". وقام بإصدار مجلة حكيم البيت. ومن أشهر قصائده قصيدة الأطلال التي تغنت بها المطربة أم كلثوم.
واجه ناجي نقداً عنيفاً عند صدور ديوانه الأول، من العقاد وطه حسين معاً، ويرجع هذا إلى ارتباطه بجماعة أبولو وقد وصف طه حسين شعره بأنّه شعر صالونات لا يحتمل أن يخرج إلى الخلاء فيأخذه البرد من جوانبه، وقد أزعجه هذا النقد فسافر إلى لندن وهناك دهمته سيارة عابرة فنقل إلى مستشفى سان جورج وقد عاشت هذه المحنة في أعماقه فترة طويلة حتى توفي في 24 من شهر مارس في عام 1953.
رفْرَفَ القلبُ بجنبي كالذبيحْ
وأنا أهتف: يا قلبُ اتّئدْ
فيجيب الدمعُ والماضي الجريحْ
لِمَ عُدنا؟ ليت أنّا لم نعد!
إبراهيم ناجي شاعر النيل أو الأطلال وإن اختلف البعض في شعره سيبقى قصيدة للحب والنيل وبلده.




ناجي..شاعر النيل والأطلال..

یافؤادي رحم الله الهوی
کان صرحاً من خیالٍ فهوی
اسقني واشرب علی أطلاله
واروِ عني طالما الدمع روی
کیف ذاك الحب أمسی خبراً
وحدیثاً من أحادیث الجوی
یقول ناجي عن شعره " هو النافذة التي أطل منها علی الحیاة وأشرف منها علی الأبد وما وراء الأبد . هو الهواء الذي أتنفسه والبلسم الذي داویتُ به جراح نفسي عند عزّ الإساءة هذا هو شعري. بدأ حياته الشعرية حوالي عام 1926 عندما بدأ يترجم بعض أشعار الفريد دي موسيه وتوماس مور شعراً وينشرها في السياسة الأسبوعية، وانضم إلى مدرسة أبولو عام 1932م التي أفرزت نخبة من الشعراء المصريين والعرب استطاعوا تحرير القصيدة العربية الحديثة من الأغلال الكلاسيكية والخيالات والإيقاعات المتوارثة. وقد نهل من الثقافة العربية القديمة فدرس العروض والقوافي وقرأ دواوين المتنبي وابن الرومي وأبي نواس وغيرهم من فحول الشعر العربي، كما نهل من الثقافة الغربية فقرأ قصائد شيلي وبيرون وآخرين من رومانسيي الشعر الغربي. قصته مع الأطلال كانت تجسيدًا لمعاناته وآلامه بالحب. فقد كانت أول تجربة تعمق نظرته البائسة للحياة هي محبته أيام دراسته الثانوية لفتاة كانت زميلته وتعلقه بها فكتب أشهر قصائده عنها فكانت خير تخليد للحب. وتقع القصيدة في أكثر من مائة وثلاثين بيتا في شكل مقاطع كل مقطع يتألف من أربع أبيات أكثر المقاطع منظومة على الرمل. وقد غنّت أم كلثوم مقاطع منها مع التعديل في بعض الألفاظ وضم مقطع من قصيدة أخرى عنوانها الوداع. تميز الشاعر بالنزعة الروحية الأشبه بالصوفية وتبرز في كثير من التعبيرات التي استخدمها مثل " جعلت النسيم زادا لروحي" و "أسكر نفسي".
ناجي کتب عن أعمق التجارب الشعرية مع اتجاهه بالبساطة حیث لا یعرف الزیف في شعره، ویسعی لأن یستمد من إحساسه من الجمال والحیاة ونری تعابیره الخاصة.
جدد ناجي في شکل القصیدة ومضمونها کما نری تجدیده في الموسیقی، في الخیال، في اللفظ وفي الأفکار و الأسالیب. شعر ناجي فيه الأصالة وعمق التجربة ودعوة واضحة للحریة وللوحدة العضویة في القصیدة، وتبدأ القصیدة بانفعال نفسي یستمر هذا الانفعال مع عاطفته حتى نهایة مضمون القصیدة ویجذب القارئ مع عذوبته.
إذا ننظر إلی أشعار ناجي نجد تصاویر الحزن والیأس فيها وکلّها إشاعة الروح الرومانتیكیة الحدیثة وتتمثل فيها شخصیة الشاعر ملیئة بالشکوی والأنّات ودیوانه وراء الغمام خیر شاهدٍ علی هذه السمة في شعره کما یقول الدکتور شوقي ضیف " فقد کان یدمن قرأءة الآثار الغربیة فتعلّق بهذا الاتجاه وظلّ ینمیه ومن أجل ذلك تتّضح شخصیته في شعره تمام الوضوح بجمیع ملامحها العاطفية وقسماتها الوجدانیة وهي شخصیة شاعر مجروح یئن دائماً ویشکو إفلات سعادته منه بصورة محزونة".
عاب الكثير من النقاد على ناجي أنّ تركيزه كان منصبا علي الشعر العاطفي الرومانسي وقصائد الهجر. غير أنّ هناك رأيا آخر يرى أنّ الشاعر لم تجمع كل قصائده فإنتاجه الحقيقي أكبر من الدواوين القليلة المجمعة له.
كان ناجي شاعراً يميل للرومانسية، أي الحب والوحدانية، كما اشتهر بشعره الوجداني. وكان وكيلا لمدرسة أبولو الشعرية وترأس من بعدها رابطة الأدباء في الأربعينيات من القرن العشرين. ترجم إبراهيم ناجي بعض الأشعار عن الفرنسية لبودلير تحت عنوان "أزهار الشر" وترجم عن الإنجليزية رواية "الجريمة والعقاب" لـديستوفسكي، وعن الإيطالية رواية "الموت في إجازة" كما نشر دراسة عن شكسبير وكتب الكثير من الكتب الأدبية مثل "مدينة الأحلام" و "عالم الأسرة". وقام بإصدار مجلة حكيم البيت. ومن أشهر قصائده قصيدة الأطلال التي تغنت بها المطربة أم كلثوم.
واجه ناجي نقداً عنيفاً عند صدور ديوانه الأول، من العقاد وطه حسين معاً، ويرجع هذا إلى ارتباطه بجماعة أبولو وقد وصف طه حسين شعره بأنّه شعر صالونات لا يحتمل أن يخرج إلى الخلاء فيأخذه البرد من جوانبه، وقد أزعجه هذا النقد فسافر إلى لندن وهناك دهمته سيارة عابرة فنقل إلى مستشفى سان جورج وقد عاشت هذه المحنة في أعماقه فترة طويلة حتى توفي في 24 من شهر مارس في عام 1953.
رفْرَفَ القلبُ بجنبي كالذبيحْ
وأنا أهتف: يا قلبُ اتّئدْ
فيجيب الدمعُ والماضي الجريحْ
لِمَ عُدنا؟ ليت أنّا لم نعد!
إبراهيم ناجي شاعر النيل أو الأطلال وإن اختلف البعض في شعره سيبقى قصيدة للحب والنيل وبلده.




ابن عباد الأندلسي..الملك العاشق..

ولقد شربتُ الراح يسطع نورها
والليل قد مدَّ الظلام رداء
حتى تبدَّى البدر في جوزائه
ملكاً تناهى بهجة وبهاء
شاعرٌ وفارسٌ قل أن يجود الزمان بمثله؛ لإخلاصه لمن يُحب (تلك الجارية التي توِّجت أميرة ثم زال عنها ملكها).. كان المُعتمد بن عباد حين آل إليه حكم إشبيلية (سنة461 هـ/1068م)، في الثلاثين من عمره، شابًّا فتيًّا، فارسًا، شجاعًا، شاعرًا مجيدًا، وأميرًا جوادًا، ذا خِلال باهرة، يُحب الأدب ومسامرة أهله.. كان "محمد بن عباد" يتمشى مع صاحبه -ووزيره فيما بعد- ابن عمار عند مرج الفضة. وكان على عكس أبيه شاعرًا رقيق القلب، يختلط بالعامة، وبينما هما يتمشيان عند ضفاف النهر، نظر محمد إلى تموجات النهر بفعل الرياح. وقال: (صنع الريح على الماء زرد..)، وطلب من ابن عمار - وهو شاعر - أن يجيزه (يُكمل ما نظمه)، فتوقف ابن عمار قليلا (يحاول ينظم)، وكان على شاطئ النهر جوار يملأن الماء في جرار فقالت إحداهن: (أي درع لقتالٍ لو جمد). فألتفت المعتمد إلى حيث الصوت فلم تكن الصورة بأقل جمالاً من المنطق. فبهر بها، وكان اسمها "اعتماد"، فسألهم ألها زوج؟ قالوا: لا, فاشتراها من سيدها وأعتقها، ثم تزوجها وولد له منها. ومضى المعتمد على حاله معها فلم يقصر في شيء يجلب السرور إلى نفسها، وقد بلغ من معزته لها أن صنع أبياتا يبدأ كل منها بحرف من حروف اسمها (اعتماد)، وهي
أغائبة الشخص عن ناظري..
وحاضرة في صميم الفؤاد
عليك السلام بقدر الشجون..
ودمع الشئون وقدر السهاد
تملكت مني صعب المرام..
وصادفت مني سهل القياد
مرادي أعياك في كل حين..
فيا ليت أني أعطى مرادي
أقيمي علي العهد ما بيننا..
ولا تستحيلي لطول البعاد
دسست اسمك الحلو في طيه..
وألفت منه حروف اعتماد
.. كانت زوجته اعتماد الرميكية شاعرة كذلك، تجمع إلى جمالها الفاتن البراعة في الشعر والأدب، وكانت أشبيلية حاضرة دولته آية في الروعة والبهاء. رصد قرارة التجربة ونمَّ عن نفس ملحمي طفيف إضافة إلى الطابع القصصي أيضاً، وطبيعي في مثل هذه الحال من الاستغراق الشعوري ألا يكون للفكر حيز كبير في بنية القصيدة، وألا تنطوي القصيدة تبعاً لذلك على المحسنات والسعي إلى الصور ربما يكشف هذا البحر المجزوء بقصر تفعيلاته عن اضطراب الأحوال التي كان الشاعر فيها، ولعل هذه المرحلة الأخيرة من مراحل حياته على قصرها أكثر مراحل حياته عطاء للشعر كان أقل شيء يُهيِّج في نفسه الشوق، ويبعث الذكرى فقد اجتاز يوماً عليه في أسره سرب قطا فأهاج وجده وآثار لواعج الشوق عنده؛ فقال:
بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي..
سوارح لا سجن يعوق ولا كبل
هنيئاً إن لم يفرق جميعها..
ولا ذاق منها البعد من أهلها أهل
... ويلاحظ في شعر المعتمد خلال فترة أسره التي استمرتْ أربعَ سنوات أنه لم يذكرْ هذه الأسباب لا من قريبٍ ولا من بعيد. ويلاحظ أنه كان يكتفي حينما يتحدث عن أسباب محنته بالإشارة إلى أسبابٍ عامةٍ تحصل مع أي فرد من الأفراد، وفي أي زمن من الأزمان، فيقول:
مضى زمنٌ والملك مستأنسٌ به..
وأصبح عنه اليومَ وهو نفورُ
برأيٍ من الدهر المضلل فاسدٍ..
متى صلحتْ للصالحين دهورُ؟
ويقول:
قلتُ: الخطوبُ أذلتني طوارقها..
وكان عزميَ للأعداء طرّاقا
فالسبب عنده رأيٌ فاسدٌ من الدهر المضلل، أدى إلى نفور الملك أو إذلال طوارق الخطوب له. وبذلك يعفي نفسَهُ من التطرق إلى الأسباب الحقيقية الكامنة في واقع الأندلس المعيش والمترسبة في نفوس أمرائها وولاتها.
وفي قصيدة أخرى، يقدِّم سبباً آخر لما حل به؛ ألا وهو الغدرُ:
وأبقى أُسام الذلّ في أرضِ غربةٍ..
وما كنتُ لولا الغدرُ ذاك أُسامُ
دون أن يبيِّن كيف غُدر به ومن هم الغادرون. كأن الكل يغدر بالكل فلا حاجةَ لذكر أسماء ولا لتسجيل أحداث. الغدر ظاهرةٌ وسمةٌ جليةٌ لأبناء ذلك العصر.
أرمدْتَ أم بنجومِكَ الرمدُ؟
قد عاد ضداً كل ما تعدُ
هل في حسابك ما تؤملُهُ؟
أم قد تَصَرّمَ عندك الأمدُ؟
آخرُ صيحات المعتمد كملكٍ وردتْ في قصيدته العينية الشهيرةِ. وبعدها سيصبح -كما سنرى- الملْك والإمارة من الماضي البعيد. ومع هذا التحول والتنازلِ، سنلاحظ أن المعتمد الشاعر سيبقى، وسيبقى إلى ما شاء الله خالداً في محنته وصبره، وخالداً في تسليمه لقضائه وقدره.
نلاحظ من خلال تسلسل الأحداث التي عصفت بأشبيلية، قلعة المعتمد، أن هذه القصيدةَ قيلت في غمرة تلك الأحداث أو هي روايةٌ لها فيما بعد، ووجود الأفعال الماضية فيها التي تصف ما جرى في الزمن القريب، وما صرح به المعتمد نفسُهُ وعبر به عن محنته، وما لحقه من أذى وذلٍّ. يقول: (أجلي تأخر. لم يكن بهواي ذلي والخضوعُ).
آخر قصائده التي كتبها في سجنه قبل أن يسلم الروح أسًى على وداع زوجته وحبيبته (اعتماد) التي شغف بها حبا لدرجة أنه زهد في الجواري الحسان من حوله.. وفيها يقول:
قبرَ الغريب، سقاكَ الرائحُ الغادي..
حقاً، ظفرْتَ بأشلاء ابْن عبادِ
بالحلمِ، بالعلمِ، بالنعمى إذا اتصلتْ..
بالخصب إن أجدبوا، بالريّ للصادي
بالطاعن الضاربِ الرامي إذا اقتتلوا..
بالموت أحمر، بالضرغامة العادي
وماتت الرميكية في أغمات قبل المعتمد بأيام ومات هو بعدها وجدا.

السجنُ خلوةٌ. واختلى المعتمد في سجنه وروحَه. واختلى في روحه وشعرَه، اختلى والشعرَ في خلوة الخلوات، وخلوة الجنازات: بشعره حفر قبرَهُ، وبه دفن نفسَهُ، وبه وقف راثياً، وداعيا بالرحمة.

الجواهري نهر العراق الثالث ومتنبي العصر

حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحَييني..

يادجلة الخير، يا أمَّ البساتين
حييتُ سفحَك ظمآناً ألوذ به..
لوذ الحمائِم بين الماءِ والطين
يادجلة الخير ِيا نبعاً أفارقه..
على الكراهةِ بين الحِينِ والحينِ
إني وردتُ عُيون الماءِ صافية..
نَبعاً فنبعاً فما كانت لترْويني)).
هنا؛ حيث الدهشة الأخيرة.. هنا؛ عند آخر رمق لعنفوان الشعر.. كمين الكلمة حين يترصدك بسهمه.. بهذا التاريخ 27 يوليو 1977. على الرَّغم مِن أنه كان غياباً لابد منه بعد أرذل العمر، إلا أنه ترك فراغاً لا يُسد، مثلما قيل كان آخر الكبار في "نحت القوافي مِن معادنها"، وكان شاهداً على العصر، والعراقيون في هذه الأيام بالذات بحاجة لجهبذ مثله يتجاوز الجميع إلى العِراق، فهو القائل وليس لنا تكذيب قوافيه: "أنا العراق لساني صوته ودمي/ فراته وفؤادي منه أشطار".
عندما أكتب عن الجواهري لا يهمُّني كيف كانت حياته الخاصة الشخصية، إنما آخذ طبائعه مِن قصائده، فهي المؤثر في المجتمع، أما بقية الأشياء فهي له وبحدود شخصه لا أكثر. أراها مِن السَّذاجة أن تطرب الأذن لعرى قوافي الجواهري ويمنعها أنه قال كذا وتصرف كذا، وهل كان أبو الطيب المتنبي (اغتيل 354هـ) مَلكاً في شؤونه الخاصة؟! وها هو مازال يطرب الأجيال تلو الأجيال، وغدت أبياته أمثالاً سارت بها الرُّكبان، والجواهري متنبي عصره.
... ولد الجواهري في بداية القرن العشرين ورحل في آخره، بدأ بالقريض وهو في سن مبكرة. قيل عنه الكثير بدءاً من نابغة الشعر العربي، ومروراً بشاعر العرب الأكبر، وأمير الشعراء بعد شوقي، ووارث الشعر العربي ومتنبي العصر وربّ الشعر، وانتهاءً بألقاب وأوسمة أدبية قلما حصل ويحصل عليها شاعرٌ عربي.
وتعتقد الأغلبية أن للجواهري مدرسة شعرية خاصة تكاد تكون فريدة في الأسلوب والمضمون والشكل؛ فلا يمكن قياسها بالمدارس المعهودة فضلاً عن أنه قد قيل الكثير حول تحديد الاتجاه الشعري لديه، فكلها كانت تصب في واحة الاتفاق على أن مدرسته متميزة فهو آخر شعراء المدرسة البارودية والتقليدية وكان آخر الشعراء الكبار الذين كتبوا قصيدة بشكلها الكلاسيكي. مثلما أحببت الجواهري وهو يحتفي بميلاد الملك فيصل الثَّاني، أحببته أيضاً عندما رثى مؤسس الحزب الشِّيوعي العِراقي يوسف سلمان يوسف (أُعدم 1949)؛ لأن الجواهري تعامل معه كحالم بغد أفضل للعراق، على طريقته إن أخطأت أو أصابت، وكان الشعار الذي خطه لحزبه: "وطن حرٌ وشعب سعيد".. فعلينا التعامل مع قوافي الجواهري حبكة ونغمة، أما الموقف السِّياسي والأيديولوجية، فلم يكن شيوعياً ولا قومياً ولا أي شيء بل كان عراقياً وكفى! قال:
سلامٌ على مثقل بالحديد..
ويشمخ كالقائد الظَّافرِ
كأن القيود على معصميه..
مفاتيح مستقبل زاهرِ
... على الذين يريدون الجواهري للحظة وزمن وموقف، لا لشعره وموهبته الفذة. أنا أطرب لكلِّ ما قاله الجواهري، لثوريين أو رجعيين، مثلما ما زال يُطربنا أبو الطَّيب المتنبي في كل ما قاله بحضرة صاحب حلب سيف الدَّولة الحمداني (ت357هـ). أقول: بل ما بين الجواهري ومعروف عبد الغني الرَّصافي ما نقدمه سلاحاً في الحرب ضد الطائفية؛ فالرصافي المتهم بالطائفية يُقدم الجواهري النَّجفي على نفسه، وهذه سابقة قد لا تحصل بين الشُعراء، عندما قال له، بعد أن نشر الجواهري قصيدة في الرَّصافي محاولاً لفت أنظار الدَّولة آنذاك لهذا الشَّاعر والمثقف، يوم كان على خصومة معها: "أقول لرب الشعر مهدي الجواهري/ إلى كم تناغي بالقوافي السَّواحرِ".. وقال له أيضاً: "بك لا بي أصبح الشعر زاهرا/ وقد كنت قبل اليوم مثلك شاعرًا".
لاشك أن للجواهري مخزوناً ثقافياً خاصًّا تلقاها خلال قرن من حياته وهي البيئة. الكتب والمكتبات.. حدّة الذاكرة وقوتها. ولد محمد مهدي الجواهرى عام 1903م بمدينة النجف الأشرف ونشأ ودرس فى الصحن العلوي. كان من أسرة دينية، كان جده الأعلى الشيخ محمد حسن مرجع الشيعة الإمامية في عهده وكتابه المشهور "جواهر الكلام" الذي اقتبست الأسرة لقبها منه.
قدم الجواهري على القرن العشرين من بيت أسواره الدين والمذهب وأعمدته العلم والثقافة والأدب، ومن مدينة بيئتها الدين وظواهرها التحفظ والالتزام، ومحيطها بحار من كتب الاستدلال والجدل، والفلسفة والأحكام، ورجالها علماء، فقهاء، مراجع التقليد، وشعراء وأدباء، ومن بلد تتكالب عليه القوى الاستعمارية. فهذه الشخصية ملازمة طبعاً لكل أحداث القرن، ولعل الذى أطلق على القرن العشرين بقرن الجواهري لم يكن مبتعداً عن الحقيقة. فهو كان عراقاً وأمة العرب فى قرن. هذا الرجل الشاعر، الثائر، العاشق، الجوال، دخل التاريخ من بابه العريض في بدايات هذا القرن وامتد به العمر الى نهاياته، لكأن الأقدار أرادته أن يكون شاهد عصره المتفرد، يكشف الزمن بشخصه بعد أن صال وجال، وعشق، وكابد وناضل، ونفى وتشرد، عاقر الخمرة، غازل النساء وجاب البلاد وبين كل هذه الحدود كان الشعر هو الأساس. فهو فى تعامله مع مجتمعه كان إنساناً قبل أن يكون شيئاً آخر. لا يخفى على أحد أن الجواهري يندر أن ترى في أشعاره قصائد لم يعتمد فيها على تراثه الثقافي المخزون في ذهنه وفكره، فهو في كل الأحوال قد بنى بنيانه الأدبي على هذه الخلفية الغنية ومطالعة دواوينه خير شاهد على ذلك، فإن الجواهري إن لم يكن حاملاً لتراث يضرب في عمق ألف عام، وإن لم يكن هو البقية الباقية من التراث الأدبي العربي الصحيح على حد قول عميد الأدب العربي طه حسين، ما كان له هذا التسلط والحكم على الحرف والكلمة، وما كانت القافية تنصاع له بخضوع، وما كان الموضوع أو المناسبة التي يريدها لينشد فيها تتجزأ وبتلك السرعة الفائقة لتتحول إلى نظم في ثوب تراثي متزين بزينة العصر والزمان. ولنرى كيف رثى الجواهري الرَّصافي، بعد أربع عشرة سنةً مرت على وفاته، (أي 1959)، وكان قد رثاه أكثر مِن مرة: "لغز الحياة وحَيرة الألباب/ أن يستحيل الفكر محض ترابِ/ أن يصبح القلبُ الذكيُ مفازةً/ جرداء حتى مِن خفوق سرابِ/ ليت السَّماءَ الأرضَ ليت مدارها/ للعبقري به مكان شهاب/ يوما له ويُقال ذاك شعاعه/ لا محض أخبار ومحض كتابِ".
يا ابن الفراتين قد أصغى لك البلدُ..
زَعْماً بأنك فيه الصادحُ الغرِدُ
ما بين جنبيكَ نبعٌ لا قَرارَ له..
من المطامح يستسقي ويَرتفد
يا ابن الفراتين لا تحزن لنازلة..
أغلى من النازلات الحزنُ والكمدُ
فما التأسي إذا لم يَنْفِ عنك أسىً..
وما التجلدُ إن لم ينفعِ الجَلَد.
لقد اكتنز الجواهري في خياله كل ما مر على قومه وبلاده من تعسف وجور من الحاكمين خلال القرون السبعة المظلمة، ورأى مجتمعه الذي يعج بالمشاكل والعقد، فاندفع يصور ذلك ويفهم الجيل الحائر بما يتصوره من مثل وآراء. وطبيعي جداً أن تكون لهذه الخلفية مشارب نهل منها الجواهري، وعوامل كانت لها الأثر البالغ في شعره. يتصف أسلوب الجواهري بالصدق في التعبير والقوة في البيان والحرارة في الإحساس الملتحم بالصور الهادرة كالتيار في النفس، ولكنه يبدو من خلال أفكاره متشائماً حزيناً من الحياة تغلف شعره مسحة من الكآبة والإحساس القاتم الحزين مع نفسية معقدة تنظر إلى كل أمر نظر الفيلسوف الناقد الذي لايرضيه شيء.
رحل بعد أن تمرد وتحدى ودخل معارك كبرى وخاض غمرتها واكتوى بنيران فكان بحق شاهد العصر الذي لم يجامل ولم يُحاب أحداً. وقد ولد الجواهري وتوفي في نفس الشهر، وكان الفارق يوماً واحداً ما بين يوم ميلاده ووفاته. فقد ولد في السادس والعشرين من يوليو عام 1899، وتوفي في السابع والعشرين من يوليو 1997..‏
في ذِمَّةِ اللهِ ما ألقَى وما أجِدُ..
أهذِهِ صَخرةٌ أمْ هذِه كبِدُ
قدْ يقتُلُ الحُزنُ مَنْ أحبابهُ بَعُدوا..
عنه فكيفَ بمنْ أحبابُهُ فُقِدوا
تَجري على رِسْلِها الدُنيا ويتبَعُها..
رأيٌ بتعليلِ مَجراها ومُعتقَد.

أبو تمام ..الشعر أصدق أنباءه..

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى     ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى       وحنيـنه أبداً لأول منزل.
إذا كان المتنبي قد ملأ الدنيا وشغل الناس، فلم يكن نظيره ونده أبو تمام بأقل منه، وهو الذي ملأ شعره الآفاق، إذ كان صاحب مذهب في الشعر تمخضت عنه العبقرية العربية فولدت في مطلع القرن التاسع عشر وبولادته ولدت قمة- من قمم الأدب. أحد أمراء البيان، ولد بجاسم (من قرى حوران بسورية) ورحل إلى مصر واستقدمه المعتصم إلى بغداد فأجازه وقدمه على شعراء وقته فأقام في العراق ثم ولي بريد الموصل فلم يتم سنتين حتى توفي بها.كان أسمر، طويلاً، فصيحاً، حلو الكلام، فيه تمتمة يسيرة، يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب غير القصائد . واختلف في التفضيل بينه وبين المتنبي والبحتري، له تصانيف، منها فحول الشعراء، وديوان الحماسة، ومختار أشعار القبائل، ونقائض جرير والأخطل، نُسِبَ إليه ولعله للأصمعي كما يرى الميمني.
وذهب مرجليوث في دائرة المعارف إلى أن والد أبي تمام كان نصرانياً يسمى ثادوس، أو ثيودوس، واستبدل الابن هذا الاسم فجعله أوساً بعد اعتناقه الإسلام ووصل نسبه بقبيلة طيء وكان أبوه خماراً في دمشق وعمل هو حائكاً فيها ثمَّ انتقل إلى حمص وبدأ بها حياته الشعرية.. كان أبو تمام حاد الشعور، وهذا سبب من أسباب قوة شخصيته وشدة استعلائه، لدرجة أن كثيرًا مما سنقف عليه من صفات القوة والعنف في شخصية المتنبي ترجعها بعض الدراسات إلى أنّه كان يقلد فيها صفات القوة والعظمة عند أبي تمام. ويمتاز أبو تمام أكثر ما يمتاز بالعمق الذهني الذي لم نر لونه ومزاجه لغيره من شعراء العربية.
عرف أبو تمام عن المعاني السطحية التي لا تهز عاطفة ولا تحرك شوقاً، وغاص وراء الفكرة مهما عمقت، واستنبطها من أغوارها مهما دقت، ساعده على ذلك ذكاؤه الحاد، وفكره الغواص، ومن كان كذلك كان تأثر بالمؤثرات عميقاً، وانفعاله بها قوياً. من ذلك قوله في الحضرمي حينما ماطله عاما وأخلف وعده:                                                                                          
               الفطر والأضحى قد انسلخا ولى          أمل ببابك صائم لم يفطر
               حول، ولم ينتج نداك وإنما                تتوقع الحبلى لتسعة أشهر
               من لى ببحر واحد؟ إغرقك في           بحر أجيش له بسبعة أبحر.
كان أبو تمام يراوح بين هذه وتلك في شعره، فهو آنيا يستمد أفكاره من الواقع الملموس، كما في قصيدته البائية التي قالها في فتح عمورية والتي أشار فيها إلى العقائد السائدة في التنجيم والخرافة، ووصف فيها المعركة وصفاً دقيقاً مستمدًا من الواقع. وآنياً يلجأ إلى الخيال الخصيب فيستوحيه في رثائه لابن الطوسي
تردي ثياب الموت حمرًا فما دجى   لها الليل إلا وهي من سندس خضر
       كأن بني نبهان يوم وفاته                        ويبكي عليه البأس والجود والشعر
       وأنى لهم صبر عليه وقد مضى                   إلى الموت حتى استشهدا: هو والصبر.
طرق أبو تمام أبواب الشعر المختلفة، وبرز في جميعها إلا الهجاء، فقد كان فيه مغلباً. ولم تكن شاعريته في كل هذه الفنون بدرجة واحدة، بل كانت تتفاوت من فن إلى فن، ومن موقف إلى موقف، تفاوتها في القصيدة الواحدة. أما شهرته الأدبية التي أخملت شعراء العصر فقد اكتسبها من فني (المدح والرثاء) حتى قالوا: أبو تمام (مداحة نواحة). أو الرثاء: كان ميدانه العاطفي الأصيل، فإذا كان العطاء يستهوي الشعراء بالمديح فإنّ الحزن يعتصر القلوب ويذيب المرائر فتسيل دموعا ونحييها وقصيدًا. كان أبو تمام من الشعراء المعدودين في إجادة الرثاء كما يقول ابن رشيق، وليس في ابداءات المراثي المولدة مثل قوله:                                                                        
            أصم بك الناعي وإن كان أسمعا          وأصبح معنى الجود بعدك بلقعا.
ويقول أبو القاسم الآمدى: (هو أشعر الناس في المراثي، وليس له فيها أجود من قوله:
ألا إن في كف المنية مهجة   تظل لها عين العلا وهي تدمع
هي النفس إن تبك المكارم فقدها        فمن بين أحشاء المكارم تنزع..
تلاعب أبو تمام بالطباق والمقابلة، كما تلاعب بالكناية والتلميح ومراعاة النظر وهي في شعره أكثر من أن تحصى، غير أن الطباق من بينها كان له النصيب الأوفى، ومن ذلك قوله في فتح عمورية:                                                                                                                                                          
          السيف أصدق أنباء من الكتب                 في حده الحد بين الجد واللعب
          بيض الصفائح لأسود الصحائف في            متونهن جلاء الشك والريب.
. وهذه المؤلفات تدل دلالة واضحة على أن أبا تمام أطال صحبة الشعر والشعراء، ولعل هذا هو ما دعا "الآمدى" وغيره إلى البحث عن سرقات أبي تمام، لأن أبا تمام نتيجة صلته الشديدة بالتراث الشعري، كان تستوقفه المعاني والصور والأخيلة وكان يعمل فيها ذهنه الجبار. ثم يستدرك عليها بما يراه إضافة أو عمقاً أو تصحيحاً، ولعل تروى أبي تمام في فهم الشعر السابق عليه ثم إدراكه لعمق إضافاته هو الذي جعله يقول عن قصائد البيت الآنف الذكر: " لا يستقي من حفير الكتب رونقها، ولم تزل تستقي من بحرها الكتب. الصورة العامة للسيف في شعر أبي تمام تعطي انطباعا بأن هذه الآلة الحربية ليست قوة طائشة تسعى الى البطش الأخرق ولكنه قوة عاقلة تريد خير الإنسان بالتسلط على قوى الشر المادية مجسدة في الأعداد والمعنوية ممثلة في الضلال والغي. لذلك كثيرًا ما شبه الرأي بالسيف حدة ومضاء وسدادا وقد جمع أبو تمام المعنيين في قوله واصفاً أبا دلف العجلي:
سللت لهم سيفين رأيا ومنصلا
وكل كنجم في الدجنة ثاقب.
وفي فتح عمورية بين بلاغة الانتصار وغواية الانتظار هذه القصيدة التي تعتبر من أدب الملاحم ولا ريب، أنشأها أبو تمام خطابًا ثقافياً راسخاً ونصاً حضاريًا بيّنًا، فيه من الفكر والواقع بقدر ما فيه من الفن والأدب. ولئن كان تعامل الأدباء والنقاد معها من زاوية جمالية تروم البلاغة دون الإبلاغ، وتهفو إلى دراسة الإيقاع دون الواقع، فإننا نرى إلى ذلك أوجهاً لا تزال قادرة على استخلاص أبعاد طريفة غير تلك التي قرّ العزم على إخراجها من قبل هذه القصيدة من أدب الملاحم ولا ريب..